حلب والإبداع

 

لا أعرف حتى الآن الأسباب الحقيقية لتركز الإبداع في مدن معينة كالبصرة، والكوفة، وحلب على سبيل المثال. كل ما أقرأ عن حلب .. تذهلني أخبار مبدعيها.. وأتعرف على شيء جديد فيها

أبو خليل القباني، مؤسس المسرح العربي الحديث، لم يعرف عنه أنه ملحن من الدرجة الأولى، وقد عرف بالمسرح كمؤسس فهو الذي لحن موشح (والذي أجرى دموعي) على نغم البيات، وغناه عبد الحليم بروح متجددة وتصرف في المقام ذاته، إلا أن الرحابنة غيروا المقام مع تغيير الإيقاع وغنت فيروز الموشح دون أن تذكر القباني، لا أحد يعرف عنه أنه كان ملحناً متميزاً وإلا لما عاشت ألحانه أكثر من قرن.

 

صبري مدلل أحد رموز الغناء العربي المؤسس، وهو حلبي المنشأ والسكن والانتماء، في عام 1949 غنى (ابعث لي جواب وطمني) من ألحان بكري الكردي، واشتهر بالأغنية التي عبرت حدود حلب إلى مدن العرب، إلا أن صبري توقف فجأة عن الغناء، نزولاً عند طلب والده الذي كان شيخاً متديناً وملتزماً، واحترم أباه على مضض وهو الفنان الذي تعيش في داخله ثورة الطرب واختفى من عالم الغناء كما احتجب عن الإعلام، وفجأة ظهر صبري مدلل عام 1980 مطرباً كبيراً وأستاذاً لأجيال من المطربين كان أحدهم صباح فخري ابن حلب أيضاً وأحد أعمدة الطرب العربي.

 

وكان ظهور صبري مدلل بسبب وفاة والده وتحرره من وعده له بعدم الغناء في حياته وقد تخرج من مدرسة مدلل الموسيقية عشرات المطربين الحلبيين كان في مقدمتهم (أبو محمد صباح فخري). كلكم سمعتم ناظم الغزالي بأغنيته المشهورة (فوق النخل) والأغنية من مقام الحجاز، وهي من الفولكلور العراقي القديم جداً، حتى لا أحد يعرف ملحنها، إلا أن أهم من اشتهر بغنائها ناظم الغزالي، انتقلت الأغنية عبر الحدود إلى حلب ووظفت الأغنية، في إطار القدود الحلبية.

 

وهنا بدأ الاختلاف وتميز كلا الفنين الأداء العراقي، والتفسير والدلالة والأداء الحلبي الذي اشتهر بها أيضاً المطرب الكبير صباح فخري.الاختلاف في تحوير اللحن وإن كان بسيطاً بين الأصل العراقي والاجتهاد الحلبي، إلا أن الاختلاف الأكثر بعداً هو في تفسير كلمة النخل.فسرها العراقيون بالنخل جمع نخلة، وهو تفسير يرتبط ببيئة الأغنية وعلاقتها بالمكان، إلا أن الحلبيين قالوا غير ذلك فقد فسروها (إلنا خِل) أي لنا حبيب. وفي رأيي أن الأصح كما ذهب العراقيون باعتبارها جمع نخلة، ولكنني أجد بعداً آخر في الاختلاف والتلاقي، فالمعنيان جميلان ويعطيان دلالات متغايرة، ودلالات الاختلاف أوسع من الاتفاق وأفضل من حصر المعنى في مفهوم واحد.

 

حلب.. مدينة معطاءة.. ربما نعود لها مرة أخرى، فيها أبعاد ودلالات وقصص طريفة لكبار المبدعين .. هي الشهباء ومنها انتشر الفنانون يجوبون الوطن الكبير، ينشرون عطر الياسمين عبر أغانيهم وقدودهم الحلبية.

 

بقلم : عبدالإله عبد القادر

المصدر البيان الاماراتية

نقلا من موقع دار الفكر

http://www.fikr.com

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.