لحظة بمئة يوم — بقلم حسن م يوسف

لحظة بمئة يوم
thumbnail

أحسب أن الندم ضربٌ من الحرب يكون المرء فيها هو المعتدي والمعتدى عليه.
وأسوأ ما في حرب الندم أن آلامها الممرضة تدوم طويلاً، إذ غالباً ما تطفو على سطح النفس وتخنقها ببطء كما تخنق بقعة الزيت البحر. ليس ثمة من وصفة سحرية للتخلص من الندم، خاصة لذوي الضمائر الحية. لكن اللطف يمكن أن يجنبنا الوقوع فيه. فالمثل الصيني يقول: إذا استطعت أن تسيطر على غضبك لحظة واحدة فستوفر على نفسك مئة يوم من الندم.
كمثال على ما سبق اسمحوا لي أن أوجز لكم حكاية واقعية جرت في أربعينيات القرن الماضي قبل عام واحد من اندلاع الحرب العالمية الثانية؛ بدأت الحكاية في إحدى المكتبات العامة في فلوريدا عندما تناول معلم شاب ديواناً لشاعره المفضل عن أحد الرفوف وراح يقرأ فيه. تأثر المعلم بقصائد الديوان، لكنه تأثر أكثر بقراءة ملاحظات رهيفة مكتوبة بقلم رصاص على هوامش الصفحات. ولم يخف فرحته عندما قرأ اسم صاحبة تلك الملاحظات المؤثرة على غلاف الكتاب، باعتبارها من تبرعت به للمكتبة.
بحث عن اسمها في دليل الهاتف وعندما عثر على عنوانها، كتب لها مبدياً إعجابه بملاحظاتها الحصيفة التي تنم عن حسٍ صافٍ وفهم عميق. جاء ردها على رسالته مؤكداً رقتها وعمق تفكيرها، ومن رسالة لأخرى نشأت بينهما صداقة رقيقة مضمخة بعبق الشعر وغموض الأحلام.
في البداية كانت رسائلهما تدور حول قصائد شاعرهما المفضل لكنها بدأت تعبر تدريجياً عن إعجاب كل منهما بالآخر وتناغمه معه. وقبل أن يجرؤ أحدهما على إبداء رغبته في رؤية الآخر، اندلعت الحرب واستدعي المعلم للخدمة. خلال غيابه عن البلاد كانت رسائلها بمنزلة رئة ثالثة بعيدة تمده بالأكسجين الخالي من دخان المعارك. وبعد عام حصل المعلم على إجازة قصيرة، فاتصل بها وطلب أن يراها قبل أن يغادر مجدداً إلى الجبهة. كان صوتها رخيماً دافئاً
يوحي بأنها شابة في غاية الجمال. ونظراً لأن أياً منهما لم يسبق أن رأى الآخر فقد أبلغته أنها ستعلق في عروة معطفها وردة حمراء كي يتمكن من تمييزها.
وقف المعلم في المحطة مزهوّاً ببدلته العسكرية، وراح يراقب الناس وهم ينزلون من القطار منقباً عن وجه المرأة التي أحب روحها دون أن يرى وجهها. أخيراً لمحها قادمة باتجاهه بقامتها الفارعة وشعرها الطويل المنسدل! اقترب لملاقاتها لكنها تجاوزته ومضت، وقبل أن يستيقظ من دهشته رأى سيدة في الأربعين تقترب منه وفي عروة معطفها وردة حمراء. شعر بخيبة أمل لكنه قرر في ثوان أن يكون لطيفاً، فحيا السيدة بأدب ودعاها إلى المطعم، لكن السيدة أبلغته أن الشابة التي مرت به قبل لحظات هي التي أعطتها الوردة الحمراء. قالت لي: «سيقابلك شخص سيظن بأنك أنا. إن كان لطيفاً معك قولي له إنني أنتظره في مطعم المحطة، وإن تركك وشأنك فاتركيه وشأنه». بلى إن اللحظات الحرجة في حياتنا هي التي تكشف معدننا الحقيقي، ولحظة واحدة من اللطف قد توفر عمراً من الندم.

23/10/2010
حسن م يوسف

 

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.