قهوة على الحائط ”عالحيط

بقلم حسن م يوسف

thumbnail

يتغير معنى هذه العبارة بتغير مزاج الصديق المبدع نجدة إسماعيل أنزور؛ ففي الجد تعني: «قيد التنفيذ» و«محسوم» و«غير قابل للنقاش»، وفي الهزل تعني «لا أمل به أو له» و«حالته تدعو للسخرية» و«محكوم بالموت». في سياق الإيجاب تعني «أكيد حتماً» وفي سياق السلب تعني، «مشكوك بأمره»، وعندما يوصف بها عمل فني قد يتدرج معناها، حسب اللهجة وتعابير الوجه بين «عظيم جداً» و«تافه لا قيمة له»!
في ضوء ما سبق قد يظن القارئ أن العبارة التي عنونت بها هذه الزاوية المقصود منها إبداء رأيي بقهوة شربتها في مكان ما، لكن الأمر ليس كذلك، بل يتعلق بحكاية لطيفة لها علاقة بالقهوة اسمحوا لي أن أوجزها لكم.
في إحدى ضواحي مدينة البندقية الإيطالية وبينما كان السائح يرشف قهوته في أحد المطاعم، جلس شخصٌ إلى طاولة مجاورة له وقال للنادل: «اثنين من القهوة المضغوطة من فضلك، واحد منهما على الحائط».
أيقظت عبارة «على الحائط» فضول السائح فجلس يراقب. أحضر النادل للشخص فنجاناً واحداً من القهوة فشربه لكنه دفع ثمن فنجانين. وعندما خرج الزبون كتب النادل على قصاصة ورق «فنجان قهوة واحد» ثم قام بتعليق القصاصة على الحائط.
بعد ذلك دخل شخصان وطلبا ثلاثة فناجين من القهوة واحد منها على الحائط، كرر النادل الشيء نفسه فأحضر فنجانين للرجلين وعلق قصاصة أخرى على الحائط.
بعدها دخل إلى المطعم شخص يبدو عليه الفقر فقال للنادل: «فنجان قهوة من على الحائط»، أحضر النادل للرجل فنجان قهوة فشربه وخرج دون أن يدفع ثمنه، في حين ذهب النادل إلى الحائط فنزع واحدة من الأوراق المعلقة عليه ورماها في سلة المهملات.
هكذا اكتشف السائح أن النادل يقوم بدور الوسيط بين المتبرع بثمن فنجان القهوة وشاربه حفاظاً على كرامة الثاني، فالمحتاج ليس بحاجة لأن يسأل عما إذا كان يستطيع الحصول على فنجان قهوة، وليس مضطراً لمعرفة من المتبرع بثمن فنجانه، فنظرة واحدة منه إلى الحائط تكفي ليعرف ما إذا كان بإمكانه أن يطلب قهوة أم لا. أي رهافة!
بعض المجتمعات الشرقية كانت سباقة في هذا النوع من المبادرات الاجتماعية الرحيمة، فقد قرأت أن بعض الأحياء الدمشقية القديمة كانت فيها شبه جمعية لتعويض الأولاد ذوي الأواني المكسورة، فإذا ما كسر ولد زبدية الفول مثلاً، عوضوه عنها كي لا يعاقب عندما يعود لأهله.
كل ذلك أيام زمان، أما الآن فثمن فنجان القهوة في بعض الأماكن الدمشقية الأكابرية أغلى منه في نيويورك التي تعتبر عاصمة العالم. ولكي لا تظنوا أنني أمزح فقد احتلت سورية مؤخراً المرتبة الثامنة في أسعار العقارات التجارية العالمية حسب تقرير «نيو أوفس سبيس» في حين جاءت نيويورك في المرتبة العاشرة!

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.