أصدقاء و لكن بقلم زياد حيدر – من جريدة الوطن السورية

منذ عدة سنوات كنت في طريقي إلى قريتي للقيام بواجب عزاء، وعند التفافي صعوداً باتجاهها فاجأتني سيارة تسير باتجاه مخالف على منعطف، فاصطدمنا بقوة. خرجت من سيارتي، وتفقدت أضرارها، ثم جمعت الأوراق الخاصة بالسائق الآخر، الذي فر فوراً، وانتظرت الشرطة. بعد قليل فاجأتني إطلالة سيدة محترمة من صديقات الأسرة الأقارب منذ عقود، على موقع الحادث، لتعلمني باعتذار مشوب بندم ما بأن سائق السيارة ابنها، وبأنه لا يحمل شهادة قيادة! دقت المرأة على سلسال الذهب المعلق على صدرها، وقالت «لا تهكل هم شي. كلو علينا، والمهم سلامة الجميع». اعتذرت بدوري من الشرطة، ورفضت كتابة محضر ضبط، وسلمت السيدة أوراق الولد، وشحنت سيارتي لإصلاحها. في اليوم التالي اتصلت بـ«صديقة» العائلة لأعلمها بتكاليف الإصلاح، وما يترتب عليهم، فسألتني عما أتحدث، ثم أنكرت أن الولد ابنها، وطلبت مني أن أحل أموري بنفسي. كانت كلفة الإصلاح حينها بعض عشرات الآلاف. قال لي أبي: ادفعها وأنت راض. لأننا حين نخسر شيئاً نكسب شيئاً بالمقابل. وقد فهمت أن الأمر تطلب هذا المبلغ لكشف معدن امرأة دخلت بيتنا كأهله. كان أبي يتحدث من حكمة تعلمها من كيسه كما يقال. إذ قبل ذلك بعقود وكّل أبي صديقاً مقرباً منه بإعمار بيته لكونه على سفر دائم. وبعد أن سكن البيت بعامين، بدأت تشققات الجدران بالظهور، وتسربت المياه من الأنابيب، وشقت الأعمدة في منتصفها. كرر أبي العبارة ذاتها ورفع دعوى غش وسوء ائتمان ما زالت حتى الآن تدور في فلك القضاء الرحب. توفي أبي منذ عامين. وفي لحظات حزني الشديد كنت أنظر إلى هاتفي النقال بانتظار أن يتكلم أحد أعز أصدقائي مواسياً. مضت أيام العزاء، ولم تمض ساعات الحزن بعد، ولكن دون أن أسمع صوته المنتظر. ولكن في الدرب المحبط لغياب صديق، دخل على حياتي أصدقاء جدد، منهم من وقف إلى جانبي بشهامة لا تنسى، فشد على يدي، وواصل الشد حتى الآن. وقد تعلمت كغيري مع تقدم العمر أن أكثر المرارات شدة وإلحاحاً على النفس، هي خيبة أمل من صديق، ومحاولة مصالحة قلب حاقد. فمع الثاني، لا تنفع حكمة، ولا مصلحة مشتركة ولا عاطفة بالطبع. ومع الأول، تتكرر ذكرى أحداث ومواقف وتاريخ مشترك ويسأل المرء نفسه باستمرار ما الذي جرى حتى بتنا حيث نحن؟ وحتى إن كان ما سبق حقيقيا أم بمنزلة وهم مركب؟إلا أن المؤكد هو أن الدنيا لا تعلم أحداً مجاناً. ومن هو محظوظ منا هو من تمكن من الاستفادة من الحكم الدنيوية خلال شبابه، والأوفر حظاً هو من تعلمها من تجارب غيره دون أثمان كبيرة. يقول الألمان: «الصداقة الجيدة لا تتجمد في الشتاء». صحيح. وقد وجدنا في درج أحد الأعزاء ممن عاشوا مرارة غدر الصديق ورقة منزوعة من تقويم ميلادي تتحدث عما يجب أن يتوقعه المرء من الأصدقاء الفعليين ولاسيما في وقت الشدة. وفيها تذكير بقول سيد المرسلين «خير الأصحاب عند اللـه تعالى خيرهم لأصحابه». وأنا هنا أتذكر ما سمعته مراراً ممن سبقني إلى تلك المرارة، قل لأصدقائك المعنى ذاته بشكل معكوس.. إنك لا تربح شيئاً إلا مقابل شي ما تخسره».

04/11/2010
زياد حيدر

 

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.